الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
185
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الشاهدين فأنا لست الشاهد الوحيد على هذه الحقيقة ، بل إن كل العقلاء الذين قطعوا حبل التقليد الأعمى شاهدون على هذه الحقيقة . ومن أجل أن يثبت إبراهيم جدية هذه المسألة ، وأنه ثابت على عقيدته إلى أبعد الحدود ، وأنه يتقبل كل ما يترتب على ذلك بكل وجوده ، أضاف : وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين . " أكيدن " مأخوذة من الكيد ، وهو التخطيط السري ، والتفكير المخفي وكان مراده أن يفهمهم بصراحة بأنني سأستغل في النهاية فرصة مناسبة وأحطم هذه الأصنام ! إلا أن عظمة وهيبة الأصنام في نفوسهم ربما كانت قد بلغت حدا لم يأخذوا معه كلام إبراهيم مأخذ الجد ، ولم يظهروا رد فعل تجاهه ، وربما ظنوا بأن أي إنسان لا يسمح لنفسه أن يهزأ ويسخر من مقدسات قوم تدعم حكومتهم تلك المقدسات تماما ، بأية جرأة ؟ وبأية قوة ؟ ! ومن هنا يتضح أن ما قاله بعض المفسرين من أن هذه الجملة قد قالها إبراهيم سرا في نفسه ، أو بينها لبعض بصورة خاصة لا داعي له ، خاصة وأنه مخالف تماما لظاهر الآية . إضافة إلى أننا سنقرأ بعد عدة آيات أن عباد الأصنام قد تذكروا قول إبراهيم ، وقالوا : سمعنا فتى كان يتحدث عن مؤامرة ضد الأصنام . على كل حال ، فإن إبراهيم نفذ خطته في يوم كان معبد الأوثان خاليا من الناس ولم يكن أحد من الوثنيين حاضرا . وتوضيح ذلك : إنه طبقا لنقل بعض المفسرين ، فإن عبدة الأوثان كانوا قد اتخذوا يوما خاصا من كل سنة عيدا لأصنامهم ، وكانوا يحضرون الأطعمة عند أصنامهم في المعبد في ذلك اليوم ، ثم يخرجون من المدينة أفواجا ، وكانوا يرجعون في آخر النهار ، فيأتون إلى المعبد ليأكلوا من ذلك الطعام الذي نالته البركة في اعتقادهم .